كتاب بحوث في المل والنحل الجزء الثامن للأستاذ جعفر السبحاني ص 282 - ص 308
( 282 )


( 283 )



الفصل الثالث عشر



في

أعلام الفكر الاِسماعيلي



( 284 )


( 285 )
ظهر المذهب الاِسماعيلي على الساحة الاِسلاميّة بطابَع دينيّ بحت، مدّعياً استمرار الاِمامة، المتجسّدة في إسماعيل بن جعفر، ومحمد بن إسماعيل، ولمّا اشتدَّ سلطانهم بقيام دولة لهم في شمال إفريقية، في بلاد المغرب، ومصر، ظهرت بينهم شخصيات بارزة في حقول السياسة والفلسفة والفقه والحديث والاَدب وغيرها، وبما أنّ دراسة سيرتهم وما قدموه من تراث للمجتمع الاِسلامي خارج عن موضوع كتابنا، لاَنّه رهن دراسة تاريخ الدولة الفاطميّة؛ فلنقتصر على ترجمة لفيف من أعلامهم ومفكّريهم، مِمّن كان لهم دور في نضج المذهب وتكامله وانتشاره.

1

أحمد بن حمدان بن أحمد الورثنياني

(أبوحاتم الرازي)

(260ـ322هـ)

أحمد بن حمدان بن أحمد الورثنياني الليثي (أبوحاتم الرازي) من زعماء الاِسماعيليّة وكُتّابهم، أوّل من ترجمه هو الصدوق في «تاريخ الري» حسب ما نقله ابن حجر في «لسان الميزان»، قال:
ذكره أبو الحسن ابن بابويه في «تاريخ الري»، وقال: كان من أهل الفضل والاَدب، والمعرفة باللغة، وسمع الحديث كثيراً، وله تصانيف؛ ثمّ أظهر القول بالاِلحاد وصار من دعاة الاِسماعيليّة، وأضلّ جماعة من الاَكابر ومات في سنة

( 286 )
322هـ. (1)
و نقل صاحب الاَعيان عن الرياض ما هذا لفظه: كان من القدماء المعاصرين للصدوق، له كتاب الرد على محمد بن زكريا الطبيب الرازي في الاِلحاد وإنكار النبوة. (2)
وقال مصطفى غالب: كان داعياً كبيراً لبلاد الري وطبرستان وآذربيجان، وقد استطاع أن يُدخل أمير الري في المذهب الاِسماعيلي وكان من كبار دعاة القائم بأمر اللّه، ونوَكّد أنّه لعِب دوراً عظيماً في شوَون طهران والديلم والري، السياسيّة، فاستجاب لدعوته أعظم رجالات تلك البلاد، وله موَلفات عظيمة منها:
1. كتاب «الزينة»: كتاب في الفقه والفلسفة الاِسماعيليّة.
2. «أعلام النبوة»: كتاب يبحث في الفلسفة الاِسماعيليّة.
3. «الاِصلاح»: كتاب يبحث في التأويل.
4. «الجامع» كتاب في الفقه الاِسماعيلي. (3)
والحقيقة فإنّ أبا حاتم الرازي كان علماً من أعلام النهضة العلميّة عند الاِسماعيليّة،وقد ساهم بنشر التعاليم الفلسفيّة في كافّة الاَقطار الشرقيّة، وخاصّة في محيط الثقافة الاِسلاميّة العامّة، وبالرغم من كلّ هذا فإنّه لم يَسلم من اضطهاد الاَعداء في الديلم، وقد اضطر إلى الاختفاء في أواخر سني حياته، ومات سنة 322هـ بعد تولية القائم الفاطمي شوَون الاِمامة الاِسماعيليّة، في بلاد المغرب، وقد عمّر اثنين وستين عاماً، كما قال بعض الموَرخين.
كان معاصراً لاَبي بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب المشهور، وصاحب

____________
1. لسان الميزان:1|164.
2. الاَمين العاملي: أعيان الشيعة:2|583، ولم نعثر على النص في رياض العلماء المطبوع.
3. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية :186.

( 287 )
الآراء الفلسفيّة المعروفة، التي خرج فيها على كثير من نظريات أرسطو الطبيعية والميتا فيزيائية، منكراً التوفيق بين الفلسفة والدين، معتقداً بأنّ الفلسفة هي الطريق الوحيد لاِصلاح الفرد والمجتمع.
وقد دارت بينهما (أي بين الرازيين) مناقشات عنيفة ومتعددة، حضرها بعض العلماء والروَساء السياسيين، وقد دوّن أبو حاتم هذه المناقشات في كتابه «أعلام النبوة». (1)
وإليك كلاماً حول كتابه «أعلام النبوة»، فالكتاب يصوّر لنا معركة فكريّة عقائديّة بين رازيين، هما: أبو حاتم الداعي المتكلم الاِسماعيلي، ومحمد بن زكريا الطبيب المتفلسف حيث تعددت اللقاءات بينهما، ودار النقاش حول مواضيع شتى في جوانب الثقافة الاِسلاميّة، من عقائد فلسفيّة وكلام وطب وصيدلة وهيئة، وما إلى ذلك.
إنّ اختلاف الرأي بين الرجلين في هذه الجوانب لم يكن إلاّ مظاهر متعددة لاختلاف أساسي واحد بينهما في الرأي حول العقل الاِنساني، وتكليفه وحدود إمكانه من جانب،والنبوّة والضرورة إليها من جانب آخر. (2)
والكتاب جدير بالمطالعة وقد بدأ الموَلف كتابه بقوله:
ناظرني «الملحد» في أمر النبوّة وأورد كلاماً نحو ما رسمه في كتابه الذي قد ذكرناه فقال:
«من أين أوجبتم أنّاللّه اختصَّ قوماً بالنبوّة دون قوم، وفضلهم على الناس،وجعلهم أدلّة لهم، وأحوج الناس إليهم؟ ومن أين أجزتم في حكمة الحكيم أن يختار لهم ذلك ويشلي بعضهم على بعض، ويوَكد بينهم العداوات

____________
1. كتاب الرياض: 8ـ 9 المقدمة بقلم عارف تامر.
2. أبو حاتم الرازي: أعلام النبوة:4، المقدمة بقلم صلاح الصاوي.

( 288 )
ويكسر المحاربات ويهلك بذلك الناس؟!». (1)
ثمّذكر المناظرة.
وترجمه ابنُ النديم في «الفهرست»، وقال: وله من الكتب «كتاب الزينة» نحو 400 ورقة وكتاب «الجامع » وفيه فقه. (2)

2

محمد بن أحمد النسفي البردغي(النخشبي)

( ... ـ 331هـ)

كان كبير دُعاة خراسان وتركستان، استطاع أن يدخل في المذهب الاِسماعيلي الكثيرين، من أهل تلك البلاد، اشتهر في تعمّقه بدراسة فلسفة المذهب الاِسماعيلي؛ ومن أشهر موَلفاته:
1. كتاب «المحصول» يتألّف من 400 صفحةجلّها في الفلسفة الاِسماعيليّة.
2. «كون العالم».
3. كتاب «الدعوة الناجية».
4. كتاب «أُصول الشرع» يبحث في الفقه الاِسماعيلي، وفلسفة ما وراء الطبيعة.
توفي هذا الداعي سنة 331هـ. (3)

____________
1. أبو حاتم الرازي: أعلام النبوة:1، وطبع الكتاب في طهران عام 1397هـ وترجمه خير الدين الزركلي و لم يأتي بشيء يذكر لاحظ الاَعلام:1|119.
2. ابن النديم: الفهرست:282.
3. تاريخ الدعوة الاِسماعيليّة:186ـ187، وقد ذكره باسم عبد اللّه بن أحمد النسفي البردغي، وجاء في مقدمة كتاب الرياض، للكرماني، باسم محمد بن أحمد النسفي، والمقدمة لعارف تامر.

( 289 )
يقول عارف تامر: إنّ أوّل جَدَل فَتح للاِسماعيليّة الآفاق الجديدة، ظهورُ كتاب «المحصول»، وهذا الكتاب وضع موضع التداول في بداية القرن الرابع الهجري، وينسب إلى الداعي السوري الاَكبر «محمد بن أحمد النسفي» الذي كان له الفضل بتحويل مذهب الدولة السامانية في آذربيجان إلى الاِسماعيليّة، وقد أُعدم سنة 331 هـ، كما جاء في كتاب «الفرق بين الفرق» لموَلفه عبد القاهر البغدادي. (1)
وقد ذكر ابن النديم في الفهرست أنّ النسفي خلف، الحسين بن علي المروزي في خراسان، الذي مات في حبس نصر بن أحمد،و استغوى نصر بن أحمد وأدخله في الدعوة الاِسماعيليّة، وأغرمه دية المروزي، وزعم أنّه ينفذها إلى صاحب المغرب القيّم بالاَمر. فلحق نصر سقمٌ طرحه على فراشه، وندم على إجابته للنسفي، فأظهر ذلك ومات.
فجمع ابنه نوح بن نصر الفقهاء وأحضر النسفي، فناظروه وهتكوه وفضحوه، فقتل النسفي، وروَساء الدعاة ووجوهها من قواد نصر، ممن دخل في الدعوة ومزقهم كل ممزق. (2)

3

أبو يعقوب السجستاني


( 271ـ وكان حيّاً عام 360هـ)

أبو يعقوب إسحاق بن أحمد السجزي أو السجستاني، ولد عام 271 هـ في سجستان، وهي مقاطعة في جنوب خراسان يمتُّ بصِلة النسب إلى أُسرة فارسيّة،

____________
1. عارف تامر: كتاب الرياض:6، قسم المقدمة.
2. ابن النديم: الفهرست :239.

( 290 )
وقيل أنّه من أصل عربي، جاء جدُّه من الكوفة، وقطن في سجستان.
نشأ السجستاني في مدارس الدعوة الاِسماعيليّة في اليمن، وأسهم مساهمة فعّالة في المناظرات العلميّة التي كانت تجري في ذلك العصر. (1)
يقول عنه الكاتب الاِسماعيلي عارف تامر: يعتبر أبو يعقوب إسحاق السجستاني (السجزي) في طليعة العلماء الذين كرّسوا أنفسهم لوضع قواعد فلسفيّة كونيّة قائمة على دعائم فكريّة عقائديّة إسماعيليّة، ونشرها وتعميمها في الاَقطار الاَُخرى، حتى اتّهم في أواخر حياته، بالكفر والاِلحاد، من الجمهور، ثمّ قتل أخيراً.
وقد لعب السجستاني دوراً هامّاً في مجال الفلسفة في القرن الثالث للهجرة، وقد ظهر أثره الفكري في تلميذه حميد الدين الكرماني (حجة العراقين) الذي سار على منهاجه، ودعا إلى تعاليمه.
عاصر الدعوة الاِسماعيليّة الباطنيّة في عصر الظهور أي ابان ازدهار الدولة الفاطميّة وظهورها كدولة إسلاميّة ذات كيان حضاري، وعلمي، واجتماعي، وسياسي. (2)
كتب كتاب «النصرة» الذي عارض فيه كتاب «الاِصلاح» الذي وضعه أبو حاتم الرازي في الرد على آراء النسفي التي وردت في كتابه«المحصول» وبذلك انتصر للنسفي على الرازي.
وقام الكرماني إلى تأليف كتابه «الرياض» بتقريب وجهات النظر بين الدعاة المتجادلين (النسفي، الرازي، السجستاني).
ترك السجستاني بعده موَلفات علميّة فلسفيّة عددها ينوف على الثلاثين

____________
1. مصطفى غالب: مقدمة الينابيع:46.
2. عارف تامر: مقدمة كتاب الرياض:10، نقل بتصرف.

( 291 )
ولعل أشهر كتبه:
1. كتاب النصرة، 2. كتاب الافتخار، 3. كتاب المقاليد، 4. كتاب مسيلة الاَحزان، 5. كتاب سلم النجاة، 6. كتاب سرائر المعاد والمعاش، 7. كتاب كشف المحجوب، 8. كتاب الوعظ، 9. كتاب أُسس البقاء، 10، كتاب خزانة الاَدلة، 11. كتاب تآلف الاَرواح، 12. كتاب تأويل الشريعة، 13. كتاب أساس الدعوة، 14. رسالة تحفة المستجيبين، 15. كتاب الينابيع (1)
وقد وقفنا من كتبه على كتاب ورسالة فالكتاب تحت عنوان «الينابيع» بتقديم وتحقيق مصطفى غالب، نشره المكتب التجاري للطباعة في لبنان ـ بيروت عام 1965 م.
و قد قسم السجستاني ينابيعه إلى أربعين يُنبوعاً، جعل كلَّ ينبوع مشابهاً لحدِّ من الحدود الدينيّة، المعروفة بالنظام الاِسماعيلي. ويظهر أنّه قد وضعه لطبقة خاصّة من الدعاة، وأصحاب المراتب العليا في الدعوة، وإلى الذين وصلوا في دراساتهم الفلسفيّة إلى الذروة.
و أمّا الرسالة فهي رسالة «تحفة المستجيبين» طبعت ضمن خمس رسائل إسماعيليّة بتحقيق وتقديم عارف تامر عام 1375هـ. كتبها لطبقة المستجيبين والطلاب الذين يرغبون في الاطلاع على الفلسفة الاِسماعيليّة، أو الدخول في الدعوة الهادية.
وقد ترجم له مصطفى غالب أيضاً في تاريخ الدعوة الاِسماعيلية ص 187.

ولادته ووفاته
ذكر مصطفى غالب أنّه ولد سنة 271هـ في سجستان، ثمّ قال: وبعد اضطهاد مرير، قُتل في تركستان عام 331هـ.

____________
1. مقدمة الينابيع: 47.


( 292 )
غير أنّ الكاتب الاِسماعيلي عارف تامر يذكر خلاف ذلك ويقول: يذهب «ماسينيون» و«و.ايفانوف» إلى القول أنّه مات سنة 331هـ، ولكنّي أخالفهما في ذلك فالمعروف عن السجستاني أنّه كان أُستاذاً للكرماني، والكرماني ظل عائشاً حتى سنة 411هـ، إذن متى أخذ الكرماني عنه علوم الدعوة؟ وهناك نص صريح في كتاب «الافتخار» للسجستاني يذكر فيه أنّه وضعه سنة 360هـ، وقد ورد ذكر كتاب «الافتخار» في كتاب «الرياض» للسجستاني نفسه، أي أنّالسجستاني وضع كتاب «الرياض» بعدكتاب «الافتخار» أي سنة 360هـ.
وهذا يجعلنا نقول بل نوَكد: إنّ السجستاني كان داعياً في منطقة بخارى أيّام إمامة المعز لدين اللّه الفاطمي، أي انّه كان معاصراً لجعفر بن منصور اليمني، وللقاضي النعمان وغيرهما، من كبار الموَلفين وعلماء الدعوة في ذلك العصر العلمي الزاهر. (1)
وقال البغدادي عند البحث عن الباطنيّة: وظهر بنيسابور داعية لهم يعرف بالشعراني، وقتل بها في ولاية أبي بكر بن الحجاج عليها، وكان الشعراني قد دعا الحسين بن علي المروزي، وقام بدعوته بعده محمد بن أحمد النسفي داعية أهل ماوراء النهر، وأبو يعقوب السجزي المعروف بـ«بندانه» وصنف النسفي لهم كتاب «المحصول» وصنف لهم أبو يعقوب كتاب «أساس الدعوة» وكتاب «تأويل الشرائع» و«كشف الاَسرار» وقتل النسفي والمعروف بـ «بندانه» على ضلالتهما. (2)
وقال خير الدين الزركلي: إسحاق بن أحمد السجزي أو السجستاني أبو يعقوب، من علماء الاِسماعيليّة ودعاتهم يماني، اشتهر في سجستان، وقتل في تركستان، له تصانيف منها «الينابيع» قالوا: إنّه أهمُّ كتبهم. (3)
____________
1. عارف تامر: مقدمة خمس رسائل إسماعيلية:15ـ 16.
2. البغدادي: الفرق بين الفرق:283.
3. خير الدين الزركلي: الاَعلام: 1|293.

( 293 )

4

أبوحنيفة النعمان


(...ـ363هـ)

قاضي القضاة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد التميمي، واختلف في تاريخ ولادته، فقال بعضهم: إنّها سنة 259هـ وقال آخرون: إنّه ولد في العشر الاَخيرة من القرن الثالث.
إتّصل في أوّل عهده بموَسس الدولة الفاطمية عبيد اللّه المهدي، ورافق الدولة الجديدة خطوةً فخطوة، وبعد وفاة المهدي ولاّه «القائم بأمر اللّه» قضاء طرابلس الغرب، وفي عهد المنصور تولّى قضاء المنصورية، وكان قضاوَه يشمل سائر المدن الاِفريقيّة، مرجعاً لجميع القضاة حتى عهد المعز لدين اللّه الذي قرّبه إليه، وأدناه من مجلسه، فوضع فيه كتاب «المجالس والمسامرات».
ولما دخل المعز مصر، كان معه «النعمان» وكان قاضياً للجيش، فأصبح في مصر قاضياً للقضاة. (1)
وكان محط ثقة المعز لدين اللّه، جعله مستشاراً قضائياً له، وساعد المعز في المسائل الخاصّة بالدعوة، فقد وضع أُسس القانون الفاطمي، وينظر إليه على أنّه المشرع الاَكبر للفاطميين. يقول رواة الفاطميين: إنّه لم يوَلف شيئاً دون الرجوع إلى المعز لدين اللّه، ويعتبر أقوم كتبه كتاب «دعائم الاِسلام» أنّه من عمل المعز نفسه، وليس من عمل قاضيه الاَكبر، ولهذا كان هذا الكتاب هوالقانون الرسمي منذ عهد المعز حتى نهاية الدولة الفاطميّة، كما يتضح ذلك من رسالة كتبها الحاكم بأمر

____________
1. أعيان الشيعة:10|223.

( 294 )
اللّه إلى داعيه باليمن، بل لا يزال هذا الكتاب هوالوحيد الذي يسيطر على حياة طائفة البهرة في الهند، وعليه المعول في أحوالهم الشخصيّة. (1)
توفي النعمان أوّل رجب سنة 363هـ فخرج المعز يبين الحزن عليه، وصلّى عليه، وأضجعه في التابوت، ودفن في داره بالقاهرة (2)وذكر أحمد بن محمد بن عبد اللّه الفرغاني في «سيرة القائد جوهر» أنّه توفي في ليلة الجمعة سلخ جمادى الآخرة من السنة. (3)
بلغت موَلّفاته نحواً من سبعة وأربعين كتاباً، جمعت ألواناً شتى من العلوم في فقه، وتأويل وتفسير، وأخبار، وفيما نقل ابن خلكان عن ابن زولاق:«انّه ألّف لاَهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف».
وهذه الموَلفات بعضها محفوظ، وبعضها لا يوجد إلاّ بعض أجزائه وبعضها فُقد فلا يعرف إلاّاسمه، وإليك أسماء بعض تلك الموَلفات:
1. جزء من كتاب شرح الاَخبار ، في مكتبة برلين.
2. دعائم الاِسلام، وهذا الكتاب من أهم كتبه، مطبوع.
3. تأويل دعائم الاِسلام، مطبوع.
4. أساس التأويل، مطبوع.
5. جزء من كتاب المجالس والمسافرات.
6. كتاب الهمة في اتّباع الاَئمّة.
7. إفتتاح الدعوة، مطبوع.
8. الارجوزة المختارة، مطبوع.
9. الطهارة.

____________
1. دعائم الاِسلام: 1|12، قسم ا لمقدمة.
2. اتعاظ الحنفاء: 1|149.
3. ابن خلكان: وفيات الاَعيان:5|416.

( 295 )
10. التوحيدوالاِمامة. (1)
11. كتاب «الاقتصار» في الفقه، مطبوع.
12. كتاب «الاَخبار» في الفقه أيضاً.
13. ابتداء الدعوة للعبيديين، مطبوع في جزء.
وقال عنه ابن زولاق في كتاب «أخبار قضاة مصر» :إنّه كان عالماً بوجوه الفقه، وعلم اختلاف الفقهاء، واللغة والشعر، والمعرفة بأيّام الناس.
إلى أن قال: وله ردود على المخالفين: له رد على أبي حنيفة، وعلى مالك، والشافعي، وعلى ابن سريج، وكتاب «اختلاف الفقهاء» ينتصر فيه لاَهل البيت، وله العقيدة الفقهية لقبها بـ «المنتخبة». (2)

النعمان إسماعيلي لا اثني عشري
وقعت الشكوك حول مذهب النعمان وهل هو إسماعيليّ أو اثنا عشري؟ وبعد التتبع والاِمعان في الكتب التي تحت متناول أيدينا من آثار الموَلف، وهي:
1. الدعائم.
2. تأويل الدعائم.
3. الاَُرجوزة المختارة.
4. أساس التأويل.
5. كتاب الاقتصار في الفقه.

____________
1. أعيان الشيعة: 10|223.
2. ابن خلكان: وفيات الاَعيان:5|416. ومن أراد المزيد فليراجع المصادر التالية: معالم العلماء:126؛ العبر:2|117؛ دول الاِسلام: 1|224؛ سير اعلام النبلاء:16|150؛ اتعاظ الحنفاء:149؛ لسان الميزان:6|167؛ شذرات الذهب:3|47؛ رياض العلماء:4|375؛ ريحانة الاَدب: 7|73؛ روضات الجنات: 8|147.


( 296 )
6.رسالة افتتاح الدعوة.
7. الرسالة المذهبة.
اتضح أنّ الرجل إسماعيلي لا اثنا عشري، وإن كان محباً لاَهل البيت كثيراً، ويتنزّه عن بعض العقائد المنحرفة عند الاِسماعيليّة. وقد ذكر في باب «ذكر منازل الاَئمّة» شيئاً عن أحوال الغلاة كما وذكرمعاملة علي معهم بالاِحراق، إلى أن يقول: وكان في أعصار الاَئمّة من ولد علي مثل ذلك ما يطول الخبر بذكرهم، كالمغيرة بن سعيد (لعنه اللّه) وكان من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي ودعاته.
إلى أن قال: ولعن أبو جعفر ، المغيرة وأصحابه، ثمّ ذكر «أبا الخطاب» وعقيدتهم الاِباحيّة،وأنّ أبا جعفر لعنه كل ذلك يدل على سلامة عقيدته في حقّ الاَئمّة (1).
ومع ذلك كلّه فهو فقيه إسماعيلي اعتنق ذلك المذهب بعدما كان سنيّاً، ولم يكن إمامياً اثني عشرياً.
نعم ذكر المحدّث النوري، أنّالرجل كان إماميّاً اثني عشريّاً، وأنّ اقتصاره على الحديث عن الاَئمّة الست، لاَجل ستر الاَمر وكتمان السر، واستشهد على ذلك بوجوه غير مجدية نشير إلى بعضها:
الاَوّل: قال ابن خلكان: كان من أهل العلم والفقه والدين والنبل، على مالا مزيد عليه، وله عدّة تصانيف ـ إلى أن قال ـ: وكان مالكي المذهب ثمّ انتقل إلى مذهب الاِماميّة وصنف كتاب «ابتداء الدعوة للعبيدين». (2)
أقول: إنّ المراد من الاِماميّة من يعتقد بإمامة علي وأولاده، سواء كان زيدياً أو إسماعيليّاً أو اثني عشرياً، والاِسماعيليّة يصفون أنفسهم بالاِماميّة لقولهم بإمامة ا

____________
1. لاحظ دعائم الاِسلام: 1|45، باب ذكر منازل الاَئمة.
2. وفيات الاَعيان: 5|415 برقم 766.

( 297 )
لمنصوص عليهم؛ والذي يدل على ذلك أنّابن خلكان يذكر بعد قوله: «ثمّ انتقل إلى مذهب الاِماميّة» وصنف كتاب «ابتداء الدعوة للعبيديين» والمراد منه الدعوة «لعبيداللّه المهدي» موَسس الدولة الفاطميّة في المغرب ومصر.
وأمّا ما نقله ابن خلكان عن ابن زولاق، انّه قال: وللقاضي كتاب: «اختلاف الفقهاء» ينتصر فيه لاَهل البيت فليس دليلاً على ما يتبنّاه لاَنّ الفرق الثلاث كلّهم ينتمون إلى أهل البيت - عليهم السّلام- .
الثاني:
1. روايته عن أبي جعفر الثاني «الاِمام الجواد» - عليه السّلام- ، والرضا - عليه السّلام- ففي كتاب الوصايا عن ابن أبي عمير أنّه قال: كنت جالساً على باب أبي جعفر - عليه السّلام- إذ أقبلت امرأة، فقالت: استأذن لي على أبي جعفر - عليه السّلام- ،فقيل لها: وما تريدين منه؟قالت: أردت أن أسأله عن مسألة ، قيل لها: هذا الحكم، فقيه أهل العراق فاسأليه.
قالت: إنّزوجي هلك وترك ألف درهم،و كان لي عليه من صداق خمسمائة درهم، فأخذت صداقي،و أخذت ميراثي، ثمّجاء رجل فقال لي: عليه ألف درهم وكنت أعرف له ذلك، فشهدت بها.
فقال الحكم: اصبري حتى أتدبر في مسألتك وأحسبها وجعل يحسب، فخرج إليه أبو جعفر - عليه السّلام- وهو على ذلك، فقال: ما هذاالذي تحرك أصابعك يا حكم؟ فأخبره فما أتم الكلام حتى قال أبوجعفر - عليه السّلام- : أقرت له بثلثي ما بيديها، ولا ميراث له حتى تقضي.
ثمّ ذكر المحدّث النوري: أنّ المراد من أبي جعفر هو الاِمام الجواد، لاَنّ ابن أبي عمير لم يدرك الصادق فضلاً عن الباقر - عليه السّلام- . (1)
____________
1. النوري: المستدرك:3|314، الفائدة الثانية.

( 298 )
أقول: إنّالنسخة الموجودة عند المحدّث النوري كانت مغلوطة محرّفة، وقد جاءت الرواية في كتاب دعائم الاِسلام في مصر بتحقيق آصف بن علي أصغر فيضي، بالنحو التالي: عن الحكم بن عيينة (1) قال: كنت جالساً على باب أبي جعفر وذكر الحديث (2)
والشاهد على أنّالجالس كان هو الحكم بن عتيبة لا ابن أبي عمير ما في متن الرواية حيث قيل لها: هذا الحكم فقيه أهل العراق.
2. انّه روى في كتاب الميراث عن حذيفة بن منصور قال: مات أخ لي وترك ابنته فأمرت إسماعيل بن جابر أن يسأل أبا الحسن عليّاً ـ صلوات اللّه عليه ـ عن ذلك فسأله فقال: المال كلّه للابنة. (3)وقد تصفحنا كتاب الفرائض من الدعائم المطبوع بمصر فلم نعثر على الحديث. (4)
3. روى في كتاب الوقوف عن أبي جعفر محمد بن علي عليمها السّلام أنّبعض أصحابه كتب إليه أنّ فلاناً ابتاع ضيعة وجعل لك في الوقف الخمس الخ.
وهذا الخبر مروي في الكافي و التهذيب والفقيه مسنداً عن علي بن مهزيار قال: كتبت إلى أبي جعفر الخ، وعلي بن مهزيار من أصحاب الجواد والرضا عليمها السّلام لم يدرك قبلهما من الاَئمّة أحداً. (5)
ما نقله عن علي بن مهزيار، و رواه الكليني في كتاب الوصايا (6) ورواه

____________
1. الصحيح، ا لحكم بن عتيبة، (47 ـ 115 هـ) وهو من مشاهير فقهاء عصر أبي جعفر الباقر - عليه السّلام- . راجع رجال الكشي:177، ورجال الطوسي: 86 برقم 6.
2. دعائم الاِسلام: 2|360 برقم 1309.
3. المستدرك:3|314.
4. لاحظ الدعائم:2|365ـ400.
5. المستدرك: 3|314.
6. الكافي:7|36 برقم30.

( 299 )
الشيخ في التهذيب (1)ورواه الصدوق في الفقيه. (2)
هذا في كتبنا وأمّا الدعائم، فقد رواه في كتاب الصدقة، بالنحو التالي:
عن أبي جعفر محمد بن علي عليمها السّلام ، أنّه قال: تصدَّق الحسين بن علي بدار، فقال له الحسن بن علي: تحوّل عنها.
وعنه أنّ بعض أصحابه كتب إليه: أنّفلاناً إبتاع ضَيعةً فأوقفها، وجعل لك في الوقف الخمس ... . (3)
غير أنّالمتبادر من أبي جعفر بقرينة مضمون الحديث حيث يحكي فعل الحسن بن علي هو الاِمام الباقر - عليه السّلام- ، وهو في كتابه يكرر النقل عن أبي جعفر ويذكر اسمه بعده، ويقول: محمد بن علي، ومراده الاِمام الباقر - عليه السّلام- .
وعلى ذلك فالضمير في الحديث الثاني يرجع إلى الاِمام الباقر.
نعم بقي هنا شيء وهو تقارب ما روي في الدعائم مع ما روي في جوامعنا في مضمون الخبر،و هو قابل للتأمّل.
4. ذكر في الدعاء بعد الصلاة:و روينا عن الاَئمّة، أنّهم أمروا بالتقرّب بعد كلّ صلاة فريضة، إذا سلّم المصلي بسط يديه ورفع باطنهما، ثم قال: اللّهمّ إنّي أتقرب إليك بمحمد رسولك ونبيك، وبوصيّه علي وليّك، وبالاَئمّة من ولده الطاهرين، الحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد ويُسمّي الاَئمة إماماً إماماً إلى أن ينتهي لاِمام عصره.
ثمّ يقول: اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بهم. (4)
____________
(1) 1 . التهذيب:9|130 برقم 4.
2. الفقيه:4|178 برقم 628.
3. دعائم الاِسلام:2|344.
4. دعائم الاِسلام: 1|171.

( 300 )
قال النوري: غير خفي على المنصف أنّه لو كان إسماعيلياً، لذكر بعده إسماعيل بن جعفر بن محمد بن إسماعيل إلى إمام عصره المنصور باللّه والمهدي باللّه. (1)
أقول: إنّه لم يذكر أسماءهم إمّا لكثرتهم، أو لاِخفاء سرّهم كما ذكره في منظومته، فيقول:
ولم يكن يمنعني من ذكرهم * إلاّ احتفاظي بمصون سرّهم
وليس لي بأن أقول جهراً * ما كان قد أُدِّي إليَّ سِرّا
وهم على الجملة كانوا استتروا * و لم يكونوا إذ تولوا ظهروا
بل دخلوا في جملة السواد * لخوفهم من سطوة الاَعادي
حتى إذا انتهى الكتاب أجله * وصار أمر اللّه فيمن جعله
بمنه مفتاح قفل الدين * أيّده بالنصر والتمكين
فقام عبد اللّه وهو الصادق * مهدينا صلى عليه الخالق (2)

إلى آخر ما ذكره، ومراده من المهدي، هو عبيد اللّه المهدي.
إلى هنا تبيّن أنّه لا دليل على كون الرجل اثني عشرياً إلى آخر عمره، أو كان اثني عشرياً، وعدل عنها إلى الاِسماعيليّة.
نعم بقي هنا شيء وهو أنّه ذكر في كتاب «الارجوزة المختارة» فرق الشيعة، وردَّ على الرونديّة، والزيديّة، والجاروديّة، والبتريّة، والمغيريّة، والكيسانيّة، والكربيّة، والبيانيّة، والمختارية والحارثيّة، والعباسيّة، والرزاميّة، ولم يذكر شيئاً ما عن الاِماميّة الاثني عشريّة.

____________
1. المستدرك:3|317.
2. الارجوزة المختارة:192.

( 301 )
و يقول:
وهذه أُصول قول الشيعة * ولو حكيت معها فروعه
لاتّسع القول بغير فائدة * و كانت الحجة فيه واحدة (1)

وهذا من العجب، مع أنّالاثني عشريّة، من أشهر الفرق، وهذا يدفعنا إلى القول، بأنّه كان يميل إليها بعض الميل، واللّه العالم.

نظرة في كتاب الدعائم
نرى في كتاب الدعائم أنّقاضي القضاة حفظ السنة المرويّة عن طريق أئمّة أهل البيت، وأنّه أكثر الرواية عن الصادقين عليمها السّلام ، غير أنّه لم تكن له صلة بعلماء المذهب الاثني عشري، ولذلك خالفهم في نفس كتاب الاِرث في موارد عديدة:
1. ممّا روي عن علي أنّه قضى في رجل هلك، ولم يخلّف وارثاً غير امرأته، فقضى لها بالميراث كلّه. وفي امرأة هلكت ولم تدع وارثاً غير زوج لها، فقضى له بالميراث كلّه.
فزعم أنّه يخالف ظاهر نص الكتاب، وثابت السنة. (2)
2. ما روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه، أنّهما قالا: لا يرث النساء من الاَرض شيئاً، وإنّما تعطى المرأة قيمة النقض.
قال: فهذا أيضاً لوحمل على ظاهره وعلى العموم، لكان يخالف كتاب اللّه

____________
1. الارجوزة المختارة:236.
2. دعائم الاِسلام:2|393.


( 302 )
جلّذكره، والسنّة وإجماع الاَئمّة والاَُمة. (1)
وما روي عن أئمّة أهل البيت، في عدم إرث النساء من الاَرض، مُخصص للقرآن والسنّة، وليس مخالفاً؛ والمخالف هو المتباين.
كما أنّ الردّ مازاد على الثمن والربع، في الفرع الاَوّل إلى الزوج والزوجة، لا يُعدّ مخالفاً للكتاب، لاَنّالكتاب ساكت عن حكم مازاد على الفريضة.
نعم نسب إليه المحدّث النوري، أنّه ممّن يُحرّم المتعة ولكنّالوارد في النسخة المطبوعة خلافه، قال القاضي: عن جعفر بن محمد، أنّه قال: إذا تزوّج الرجل المرأة بصداق إلى أجل، فالنكاح جائز، ولكن لابدّأن يعطيها شيئاً قبل أن يدخل بها، فيحل له نكاحها، ولو أن يعطيها ثوباً أو شيئاً يسيراً، فإن لم يجد شيئاً، فلا شيء عليه، وله أن يدخل بها، ويبقى الصداق ديناً عليه. (2)
و في خاتمة المطاف: من طالع كتبه التي أومأنا إليها، يقف على أنّ الرجل فقيه إسماعيليّ، يدافع عن المذهب، وخلافة الخلفاء الفاطميين بحماس، خصوصاً في كتابه «افتتاح الدعوة في ظهور الدعوة العبيدية الفاطمية».

5

أحمد بن حميد الدّين بن عبد اللّه الكرماني


(352ـ كان حيّاً سنة 411هـ)

حميد الدّين ، أحمد بن عبد اللّه الكرماني الداعي في عهد الحاكم باللّه (375ـ 411هـ) والملقّب بحُجّـة العراقين، وكبير دعاة الاِسماعيليّة في جزيرة

____________
1. دعائم الاِسلام: 2|396.
2. دعائم الاِسلام:2|225 برقم 844.

( 303 )
العراق، وصاحب التآليف العديدة في المذهب الاِسماعيلي وإثبات الاِمامة للفاطميين، والردّ على مخالفيهم.
«ظهر أثره وعظم شأنه في عهد الخليفة الفاطمي «الحاكم بأمر اللّه» وكان لقبه المشهور «حجّة العراقين» أي أنّه كان مسوَولاً عن شوَون الدعوة الثقافيّة في فارس والعراق، وفي القاهرة كان مركزه كمقام (حجّة جزيرة) فهو أحد الحجج الاثني عشر، المكلّفين بإدارة شوَون الدعوة الاِسماعيليّة في العالم، ثمّاستخدم بعد ذلك كرئيس لدار الحكمة في القاهرة، وهي الموَسسة الثقافيّة التي نستطيع أن نقول عنها: إنّها أوّل جامعة انشئت في العالم.
وفد على القاهرة سنة 408هـ، بناءً على طلب المأمون افتكين الضيف داعي دعاة الدولة الفاطميّة في عهد الحاكم بأمر اللّه، عندما حَمي وطيس المعارك الدينيّة، وقامت الدعوات الجديدة وراج سوق البدع التي كانت تهدف إلى الغلو والانحراف عن واقع وأُسس الدعوة.
ألّف كثيراً من الكتب أشهرها: «الرسالة الواعظة» في الردّ على الحسن الفرغاني، القائل بإلوهيّة الحاكم بأمر اللّه، و«البشارات» و«المصابيح» و«الرسالة المضيئة» و«المصابيح في إثبات الاِمامة» و«تنبيه الهادي والمستهدي»و «راحة العقل» و«الرسالة الدرّية» و«رسالة التوحيد في المعاد» و«الاَقوال الذهبية» و«تاج العقول» و«ميزان العقل» و«رسالة المعاد». (1)وكتاب «الرياض في الحكم بين (الصادين) صاحبي الاِصلاح والنصرة» مطبوع، إلى غيرها من الموَلفات.
و قد ظلت سنة وفاته مجهولة بالرغم من وصول أكثر موَلفاته وآثاره إلينا.
يقول الكرماني عن نفسه في مقدمة كتابه «راحة العقل»: وموَلفه حميد الدين، أحمد بن عبد اللّه الداعي في جزيرة العراق وما وليها، من جهة الاِمام

____________
1. عارف تامر:مقدمة كتاب الرياض: 16ـ21.

( 304 )
الحاكم بأمر اللّه أمير الموَمنين، المنصوص عليه من جهة القائمين مقام الرسولصلّى الله عليه و آله و سلّم على ما بيّناه في كتبنا المعروفة بكتاب «المصابيح في الاِمامة» و«مباسم البشارات» و«الرسالة الكافية» وكتاب «تنبيه الهادي والمستهدي». ألّفه في سنة إحدى عشرة وأربعمائة (411) في ديار العراق.(1)
وهذا النصّ يدل على أنّه كان حيّاً في تلك السنة.
فما ذكره ايفانوف، من أنّه توفي بعد سنة 408 بقليل ليس تامّاً.
وكتابه «راحة العقل»، من أشهر موَلفاته، وقد حاول فيه أن يوفّق بين الفلسفة اليونانيّة وما دانت به الاِسماعيليّة. وقد ذكرنا شيئاً من خصوصيات كتابه عند البحث عن عقائد الاِسماعيليّة.
يقول محقق الكتاب: يُعد الكرماني بحق شيخ فلاسفة الاِسماعيليّة فنحن نعلم أنّالدعاة قبله كانوا مختلفين أشدَّ الاختلاف في مسائل كثيرة، فالداعي النخشبي وضع كتابه «المحصول» في فلسفة المذهب، وجاء بعده أبو حاتم الرازي فوضع كتاب «الاِصلاح» وخالف فيه أقوال من سبقه، ثمّ جاء أبو يعقوب السجستاني أُستاذ الكرماني فانتصر للنخشبي، وخالف أبا حاتم، ثمّجاء الكرماني الذي استطاع أن يوفّق بين آراء شيخه، وبين آراء أبي حاتم، ولا نكاد نجد خلافاً يُذكر بين علماء الدعوة الاِسماعيليّة في فلسفة المذهب، بعد أقوال الكرماني، وإن كنّا نجد خلافاً شديداً بينهم في المسائل التأويليّة، لاَنّ التأويل شخصي يختلف باختلاف الداعي، وكل كتب الدعاة بعد الكرماني تتفق مع ما ورد في كتاب «راحة العقل». (2)
وقد ترجمه مصطفى غالب في كتابه «تاريخ الدعوة الاِسماعيليّة» ضمن ترجمة سيرة الحاكم باللّه، وأنهى كتبه إلى 33 كتاباً، وذكر منها كتاب «الاِصابة في

____________
1. راحة العقل:20، مقدمة التحقيق للدكتور كامل حسين، ومحمد مصطفى حلمي.
2. المصدر السابق:17.

( 305 )
تفضيل علي على الصحابة». (1)
كما وترجمه خير الدّين الزركلي، ولم يأت بشيء جديد. (2)

6

الموَيّد في الدين

(حدود390ـ470هـ)

هبة اللّه بن موسى بن داود الشيرازي، الموَيّد في الدّين، داعي الدعاة من زعماء الاِسماعيليّة. ولد بشيراز سنة 390هـ ونشأ وتعلّم فيها، وكان له و لاَبيه دورٌ هامٌّ في بث الدّعوة الفاطميّة.
وغادر مدينته خوفاً من السلطان أبي كاليجار فخرج متنكراً إلى الاَهواز سنة (329هـ) ثمّ توجّه إلى حلّة منصور بن الحسين الاَسدي. وتوجه إلى مصر، فخدم المستنصر الفاطمي، في ديوان الاِنشاء وتقدّم إلى أن صار إليه أمر الدّعوة الفاطميّة (سنة 450هـ)و لقب بداعي الدعاة، وباب الاَبواب. ثمّنُحّي وأُبعَد إلى الشام، وعاد إلى مصر فتوفي بها، عن نحو ثمانين عاماً، وصلّـى عليه المستنصر.
و قيل: إنّه استطاع أن يدخل الملك أبي كاليجار في المذهب الاِسماعيليّ، كما أدخل غيره من الوزراء و الاَُمراء، وكان يفحمهم ويقنعهم بغزارة علمه، وشدّة معرفته، في أُصول العقائد الاِسماعيليّة، وخاصّة نبوغه في علم التأويل الذي ترتكز عليه العقائد الفلسفيّة الاِسماعيليّة.
عظم أمر الموَيد، في تلك البلاد فسارت سيرته في الآفاق، ولقد استدعي إلى بيت الدعوة في مصر، نحو عام 438، ليلقي بعض المجالس التأويليّة،

____________
1. تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:241ـ 243.
2. خير الدين الزركلي: الاَعلام:1|156.

( 306 )
وليتدرب التدريب النهائي على يدي الاِمام، فوصل القاهرة ودخل القصر معززاً مكرماً. (1)
و له تصانيف عديدة منها:
1. المرشد إلى أدب الاِسماعيليّة.
2. المجالس الموَيديّة.
3. السيرة الموَيديّة.
4. ديوان الموَيد في الدّين.
5. أساس التأويل، كتبه بالفارسيّة ترجمه عن العربيّة، وأصل الكتاب للقاضي النعمان. (2) 6. شرح العماد.
7. جامع الحقائق في تحريم اللحوم والاَلبان.
8. القصيدة الاسكندريّة.
9. تأويل الاَرواح.
10. نهج العبادة.
وله قصيدة يذكر فيها حديث غدير خم نقتطف منها هذه الاَبيات:
لو أرادوا حقيقة الدّين كانوا * تبعاً للذي أقام الرسولُ
و أتت فيه آيةُ النصّ بلغ * يوم «خم» لمّا أتى جبريل
ذاكم المرتضى عليٌّ بحق * فبعلياه ينطق التنزيل
أهلُ بيت عليهم نزل الذكر * وفيه التحريم والتحليل
هم أمان من العمى وصراط * مستقيم لنا وظل ظليل


____________
1. تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:250.
2. خير الدين الزركلي: الاَعلام:8|75.

( 307 )
كما وتوجد ترجمة له بقلمه، في كتاب أفرده في سيرته بين سنة 429 وسنة 450،و هو المصدر الوحيد للباحثين عن ترجمته، طبع بمصر في 184 صفحة . وللاَُستاذ محمد كامل حسين المصري، بكلّية الآداب، دراسة ضافية حول حياة المُترجَم، بحث عنها من شتّى النواحي في 186 صفحة، وجعلها مقدمة لديوانه المطبوع بمصر، ففي الكتابين غنى، وكفاية عن التبسط في ترجمة الموَيد. (1)

7

ناصر خسرو (الرحالة المعروف)


(394 ـ 481هـ)

ناصر بن خسرو، من أحفاد الاِمام علي بن موسى الرضا - عليه السّلام- ،ولد في ذي القعدة عام 394هـ في قصبة (قباذيان) من أعمال بلخ، وتوفي عام 481هـ، وهو خراساني الاَصل، بلخي المنشأ.
و كانت أُسرته من الاَُسر الغنيّة ، وقد اهتمّ والد المترجم بتربية ابنه وتعليمه، فحفظ القرآن وهو لم يبلغ بعدُ التاسعة من العمر، ودرس اللغة العربيّة وآدابها، والعلوم الاِسلاميّة، وعلوم النجوم والفلك والحساب والهندسة والجبر وتضلع في الفلسفة، إلى أن أُطلق عليه الحكيم.
وكان شاعراً فحلاً في اللغة الفارسيّة، وكان رحّالاً، ترك الاِقامة في موطنه واعتزم القيام برحلات في بعض الاَمصار، قاصداً فيها مكّة، يرافقه أخوه أبو سعيد خسرو العلوي، وغلام هندي، فقد شرع برحلته في شهر شعبان عام 437 هـ فترك مرو وسافر إلى إقليم آذربيجان مارّاً بنيسابور، فدامغان، فسمنان، فالري، فقزوين،
____________
1. الاَميني: الغدير: 4|304ـ312.

( 308 )
ثمّ تبريز، وقد وصلها في عشرين صفر عام 438 هـ، وبعد أن أتمّ رحلته عام 444هـ، وقد بلغ من العمر 50 عاماً، وقطع في رحلته هذه التي طالت سبع سنوات، مسافة 2220 فرسخاً ـ وبعد أن ـ ساقه القضاء إلى مصر، وتوطّدت الصلة بينه وبين الخليفة الفاطمي بمصر، المستنصر باللّه، أبو تميم معد بن علي، الذي حكم مصر من سنة 427هـ إلى سنة 478هـ، وقد أثرت فيه دعوتهم له، فاعتنق مذهبهم على يد أحد حُجّاب الدعوة في القاهرة، وسمّاه بالباب واجتاز المقامات، والدرجات الخاصّة بكبار قادة هذا المذهب، حتى بلغ درجة الحُجّة، واعتبر أحد الحجج الاثني عشر، في إحدى الجزر الاثني عشر، حسب تقسيمات الفاطميين.
وعاد إلى بلخ، وصار بينه وبين علماء المذهب السني نقاش ومعارضة، إلى أن هرب من بلخ قبيل سنة (453هـ)، فلم يزل ينتقل من مدينة إلى مدينة، إلى أن انتهى به المطاف سنة (456هـ) إلى مدينة «غاريمكان» الواقعة قرب مدينة بدخشان، وأقام فيها مختفياً إلى أن وافاه الاَجل عام (481هـ) فدفن هناك، وقبره اليوم مزار للاِسماعيليّين.وقد ترك آثاراً كثيرةً نشير إلى بعضها:
1. «زاد المسافرين» الذي انتهى منه في سنة 453هـ، وهو من أضخم موَلفاته.
2. «وجه دين» في عقائد الاِسماعيليّة.
3. «خوان اخوان».
4. «دليل المتحيّرين» الذي أراد أن يثبت فيه أحقّية المذهب الفاطمي.
5. إكسير أعظم في المنطق، أو الفلسفة.
6. «رسالة المستوفي» في الفقه الاِسماعيلي. (1)

____________
1. أعيان الشيعـة: 10|202 ـ 204، من أراد المزيد فليراجـع المصادر التالية؛ رياض العلماء:5|232؛ مستدركات علم رجال الحديث:8|55؛ طبقات أعلام الشيعة:2|198؛ الذريعة:21|15؛ معجم الموَلفين:13|70.